اليوم، لم يعد الجمهور السوري بحاجة إلى متابعة عمل درامي كامل قبل تكوين رأيه؛ لأن الانطباعات الأولى تتشكل بسرعة بعد بضع حلقات، أو حتى بعد إعلان تشويقي قصير، أو مقطع متداول، أو تفاعل واسع النطاق على منصات التواصل الاجتماعي. في هذا السياق، تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى ساحة تقييم موازية من خلال إصدار أحكام مبكرة يمكن أن تؤثر على تصور الأعمال الدرامية منذ أيامها الأولى.
سناكات سورية – دمشق
وفي موسم الدراما 2026، يظهر هذا النمط بشكل واضح، حيث تتعايش وجهات النظر المتضاربة بين الثناء الواسع والنقد اللاذع، في ظل تفاعل تحكمه الخوارزميات وسرعة النشر بدلاً من المراقبة الدقيقة لمسار العمل بأكمله.
قرارات مبكرة… والعمل لم يكتمل بعد
ومن بين هذه الأعمال سلسلة مطبخ المدينة التي تجمع أمل عرفة ومكسيم خليل بعد فترة انقطاع. وركز التفاعل حول العمل في مراحله الأولى على الجوانب البصرية مثل الإخراج والتمثيل والتوقيع للمخرجة رشا شربتجي مقابل نقاش أقل حول مسار الحبكة الدرامية.
وبينما سارع البعض إلى تصنيف العمل على أنه خفيف أو نجمتين، يرى مراقبون أنه يحتاج إلى متابعة أطول قبل أن تتضح كامل جوانب الخط التشويقي حول اختفاء ابنة صاحب المطعم وما يحمله من أبعاد اجتماعية وأخلاقية.
بين الذاكرة والسياسة.. اللحظة التي يتقدم فيها النقاش على المشاهدة
في المقابل، تجاوز مسلسلا «الأربعاء: لا مكان ولا وقت» و«الخروج إلى البئر» الإطار الفني ووصلا إلى أبعاد قانونية وسياسية، ما أثار جدلاً واسعاً منذ الإعلان عنهما.
وتعرضت الدراسة الأولى، التي تناولت مرحلة حساسة من الذاكرة السورية فيما يتعلق بالاعتقال، لانتقادات لأنها طرحت الفكرة قبل أن تتاح للجمهور فرصة متابعة تطوراتها الدرامية. أما العمل الثاني، فهو مأخوذ من نص للكاتب سامر رضوان، وسرعان ما دخل دائرة الاستقطاب السياسي.
تسبب هذا النوع من التفاعل المبكر في تركيز بعض المناقشات على الخلفية العامة والسياق بدلاً من القيمة الإنسانية أو الفنية التي قد تظهر مع تقدم الحلقات.

الاقتباس والخصوصية… مناقشة تتجاوز الأداء
ظهرت مقارنات متكررة في المسلسل التلفزيوني مولانا مع الفيلم الإيراني Kertenkele، خاصة فيما يتعلق بشخصية تيم حسن. وقد طغى هذا النقاش أحياناً على النقاش حول خصوصية العمل والبيئة المحلية التي قدمها المخرج سامر البرقاوي.
وفي العمل الذي حاول تقديم رؤية مختلفة ضمن إطار معروف، لفت حضور منى واصف الانتباه أيضاً كعنصر أعاد الثقل التمثيلي المألوف للدراما السورية.

الحنين والمقارنة… عبء الماضي على الحاضر
وواجه مسلسل عائلة الملك مقارنات واسعة النطاق مع أعمال سابقة أبرزها الغزال في غابة الذئاب. أثارت هذه المقارنات سؤالاً متكرراً حول مدى قدرة الأعمال الجديدة على الابتعاد عن إنجازات الماضي وبناء هويتها البصرية والسردية الخاصة.
رأى البعض في العمل محاولة لتقديم نظرة معاصرة لشخصية التاجر الباحث عن النفوذ، بينما فضل آخرون قياسه مقابل معايير الأعمال السابقة، مما أثر على تصوره الأولي لعرضه.

الثناء المفرط… جانب آخر من التفاعل
في المقابل، حظي مسلسل «خمسة أرواح» بتفاعل إيجابي واسع النطاق، ويعود ذلك بشكل كبير إلى وجود قصي خولي وكاريس بشار. ركز هذا التفاعل في الغالب على تفاصيل الشكل والشخصيات، مقابل نقاش أقل حول القيمة الأساسية للعمل الذي يدور حول جيل ولد في ظروف استثنائية ويبحث عن هويته الخاصة.
ويرى مراقبون أن مثل هذا التفاعل، وإن كان إيجابياً، إلا أنه يمكن أن يختزل العمل إلى صورته الخارجية، ويؤجل مناقشة أعمق للرسالة الإنسانية التي يقدمها المخرج رامي حنا.

هناك مجال للتفسير بين وسائل التواصل الاجتماعي والدراما
مع تزايد دور منصات التواصل الاجتماعي في تشكيل الرأي العام، يبدو أن الدراما السورية تواجه واقعًا جديدًا حيث تحدث الأحداث بسرعة وتتأثر بموجات من التفاعل الآني. وبينما يرى البعض أن هذا مساحة ديمقراطية للتعبير، يشعر البعض الآخر أنه يمكن أن يعيق أحيانًا فرصة المراقبة الدقيقة.
ونتيجة لذلك، يبقى التفاعل الرقمي جزءاً من المشهد، لكن ذلك لا ينفي أهمية المتابعة الكاملة، خاصة في موسم تسعى فيه الدراما السورية إلى تقديم التنوع، بالاعتماد على الوقت أكثر من الانطباعات الأولى.

